الدعوة إلى النوبيـة انطلقت دعوة “الزنوجة” أول ما انطلقت من الشاعر والمفكر الزنجي ليوبولد سنجور وزملاؤه. وسبب إطلاق صيحة “الزنوجة"، أن العالم أهمل وهمّش بل واحتقر الجنس الزنجي، وتعالى على كل ما هو زنجي، وبالتالي على كل ما ينتجه الزنجي من منظومات حياتية وثقافية. احتقر العالم الغربي واستهجن حتى خِلقة الزنجي ووضعه في مرتبة الحيوانية! لذلك تحصن الزنجي داخل حصن الزنوجة، أي قابلوا الفعل الهجومي العنصري ضدهم برد فعل يساويه عنصرية. ولم تستمر صيحة الزنوجة طويلاً لأنها انطلقت تحت ظروف معينة، ولأنها كانت حائلاً بين الذات الزنجية والذات الإنسانية في مجملها. ولما بدأت العنصرية الغربية ضدهم تضعف، بدأت صيحة الزنوجة أيضا تضعف وتبهت وتتحول من التطرف إلى الوسطية، فصارت تعتز بنفسها وتعتز بتنويعات غيرها من شعوب. ونحن أيضاً، النوبيون. لأن مصر أهملتنا، ظلمتنا، أهانتنا بتهميشنا جانباً، تركتنا كمّا مهملاً لا يساوي في نظرهم، حتى وصل الأمر إلى الاضطهاد الواضح، تجسّدت واستفحلت عند النوبيين صيحة النوبية حدة على حدة بمعناها الانعزالي. سواء كانت هذه الانعزالية بوعي تام أو بوجدان يُحسْ منهم ولا يُعقل تمام العقل. وكلما زاد الظلم علينا من الغير مع ازدياد خوفنا من الاندثار، نزداد انكماشاً في صيحة النوبية الانعزالية التي تتشكك في كل أفعال الغير ونواياهم. نوبية انغلاقية نتحصن فيها لنحمي أنفسنا من سهام المحن والكروب وضربات الخطوب. صيحة النوبية بهذا المفهوم السلبي حتى وإن كانت صيحة داخل نفوس النوبيين وليست معلنة، فهي تعمل في تنامي على تحويل جلدنا الأسمر إلى جدار حصين يحمينا من اللون القمحي الممثل للأغلبية, القاهر لنا والمتربص بنا. أن صيحة "النوبية" بمفهومها الانعزالي، حتى وان كانت رد فعل فهي خطيرة على الكل، على مصر كلها وعلى السودان، بل على أفريقيا كلها لأسباب يطول شرحها، فهي صيحة تدفع النوبيين إلى المغالاة في كل أفعالهم وردود أفعالهم، تستنفر فيهم النوازع والرغبات السفلية الكامنة في كل إنسان وتنفجر حين تأتيها الفرصة لتحطم الجسور مع الغير، فيبدأ العنف والحقد ومركبات النقص والرغبة في الانتقام والتدمير والشوفونية تسيطر عليه فتلوث أحلي ما فيه من رغبات ونوازع سامية، خاصة أن النوبي أصلا جُبل على هذا السمو. النوبية الانعزالية التي هي أصلا ضد الآخر ، تضر أولا بالنوبيين والنوبة ثم بعد ذلك تضر بمصر والسودان وأفريقيا كما أسلفت. لكن ليس معنى ذلك أنه مطلوب من النوبي وحده أن يعمل على حذف صيحة النوبية الانعزالية، أبدا، لأن هذه الصيحة هي رد فعل لاضطهاد واضح. المطلوب رفع هذا الاضطهاد عن النوبيين الذي هو الفعل الذي جلب رد الفعل المتمثل في صيحة "النوبية"، وعلى النوبيين بعد ذلك العمل بقوة وإصرار على بتر صيحة الانعزالية والعمل على بناء النوبية الإيجابية التي هي من الوطنية المصرية والوطنية السودانية، النوبية السامية والتي هي الوصل مع كل عطاءات البشر لا الفصل. حجاج حسن أدّول _________________ ولياب